سعيد حوي
1927
الأساس في التفسير
وأما صالح فكذلك : دعا قومه إلى عبادة الله وتذكر نعمه ، وأتاهم بالمعجزة الشاهدة على صحة رسالته وهي الناقة ؛ فأصروا على الكفر والاستكبار والصد عن سبيل الله وقتلوا الناقة ، فعاقبهم الله بالزلزال والصيحة فماتوا أجمعون ونجى الله صالحا والمؤمنين . وأما لوط : فقد دعا قومه إلى ترك إتيان الرجال - وهي الفاحشة التي لم تعرفها البشرية قبلهم - فكان موقف قومه تكذيبه وتهديده بالإخراج من قريتهم ؛ فعاقبهم الله فأمطر الله عزّ وجل عليهم حجارة من السماء أهلكتهم ، وخسف بقراهم وأنجى الله لوطا والمؤمنين . وأما شعيب : فقد دعا قومه إلى عبادة الله ، والوفاء بالكيل والميزان ، وألا يخونوا الناس في أموالهم ، وأن يتركوا الفساد في الأرض ، وألا يصدوا عن سبيل الله ، وأن يتذكروا نعمة الله عليهم ، فكان موقفهم أن هددوه بالنفي من أرضهم هو ومن معه ؛ فعاقبهم الله بأن أهلكهم بزلزال رافقته صيحة وصاعقة من السماء ونجى الله شعيبا والمؤمنين . وبعد أن بين الله عزّ وجل مواقف هذه الأمم من الهدى المنزل عليها بواسطة رسلها وما عاقبهم به في الدنيا وكيف نجى المؤمنين ، يذكر الله عزّ وجل ما اختبر به الأمم الماضية الذين أرسل إليهم الأنبياء ، بأن سلط عليهم البأساء فأصابهم في أبدانهم . والضراء فأصابهم بالفقر والحاجة ، وكل ذلك من أجل أن يتضرعوا إليه فيدعوه ويخشوه ويبتهلوا إليه في كشف ما نزل بهم . ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا ، فما عقلوا شيئا من الذي أراد منهم ؛ فقلب عليهم الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه ، فحول الحال عليهم من شدة إلى رخاء ، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية ، ومن فقر إلى غنى ، ليشكروا على ذلك فما فعلوا واستمر حالهم على الكفر حتى كثرت الأموال والأولاد ، واعتبروا كلا الحالين عاديا لا علاقة لله فيه ، ولا علاقة لما هم فيه من الكفر بكلا الحالين . ابتلاهم الله بهذا ليتضرعوا وينيبوا إلى الله ، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا ، ولا انتبهوا بهذا ولا هذا . وقالوا قد مسنا من البأساء والضراء ، ثم بعده من الرخاء مثل ما أصاب آباءنا في قديم الزمان والدهر . وإنما هو الدهر تارات وتارات . فلم يتفطنوا لأمر الله فيهم ، ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين ، وهذا بخلاف حال المؤمنين الذين يشكرون الله على السراء والضراء ، هذا كله والرسل بين أظهرهم تدعوهم إلى الله ، وتقيم عليهم الحجج